ثقافة عرض "هؤلاء الناس" لحفيز ضو وعائشة مبارك: على خطى الالكترو ورقصه وراقصيه
ترقص الأجساد في عرض "هؤلاء الناس" الى ما لا نهاية له. ترقص أسوة بروّاد الملاهي الليلية الذين يلازمون حلبات الرقص حراكا واهتزازا الى مطلع الفجر. على خطى عالم الالكترو المُكثف حركة وايقاعا، يذهب الثنائي الكوريغرافي حفيز ضو وعائشة مبارك بحثا عن تثبيت ملامح سهر "هؤلاء الناس": هم، أجسادهم، رقصهم، نسقهم، ايستيتيقا حركتهم، ففي تعبيرهم الجسماني فنيّة تفرض التوّقف والاهتمام تماما مثلما توّقف جاك برال ليخصّ "هؤلاء الناس" (Ces gens-là) بأغنية تصف وتنتقد بورجوازية عائلة فريدا، الفتاة التي وقع في غرامها.
بلا مقدمات، تقرع الموسيقى الآذان. 5 شبان يهتزون رقصا على ركح نادي ليلي تتصدره طاولة ميكساج و"دي دجاي" تخفى ليملأ الفضاء بفايبس الموسيقى الالكترو.. إيقاع أخّاذ يحاصر أجساد الراقصين، يسربلهم كتلك الموسيقى التي تسري في الجسد وتتمكن منه بلا هوادة. تشاهد حينها -ولا تسمع- الموسيقى وهي تنبض من أجساد الأصدقاء الخمسة الذين حلّوا سويّا بالملهى الليلي لقضاء سهرة راقصة.

كـ"تامبو" الموسيقي السريع، تبرز كوريغرافيا "هؤلاء الناس" مباشرة للعيان: كوريغرافيا فردية مضاعفة بكوريغرافيا جماعيّة. تتموقع الأولى على مستوى الجسد الراقص الواحد والراسم بحركاته أشكالا جمالية متفردة ساهمت الأضواء الليزرية والضبابة الطفيفة المنسابة في الأجواء في صقلها حتى بدا كلّ جسد بمثابة التمثال الأسود المتحرك على إيقاع الموسيقى الالكترو التي تسكنه كما يسكن الوقت في عقارب الساعة. "تيك تاك" راقص تترامى فيه الأطراف في بعض الأحيان وتنعكف على نفسها في أحيان أخرى. تظلّ الأجساد طيلة العرض وفيّة لهذا الإيقاع العصري ومتماهية مع كتابته النحوية، فهي مسكونة به تماما كما تسكن الأنماط الموسيقية كالهيب هوب أو التانغو او الكلاسيك او السطمبالي او الشرقي أجساد راقصيها.
أما الكوريغرافيا الثانية، فهي جماعيّة تضُمّ الراقصين الخمسة الذين التقوا حول هذا الإيقاع المشترك راسمين باقات ورباعيات وأسراب عصافير وأكواما وسلاسل راقصة. مشهدية نموذجية لعالم الليل كما يمكن لأي زائر لملهى ليلي أن يلاحظها في أخذها وردّها واهتزازاتها، لكن تنضاف اليها في عرض "هؤلاء الناس" عين الكوريغرافي الذي يتجاوز كُنّهها الراقص ليجعل منها تعبيرة فنيّة متكاملة تُسجّل وتُحفظ كجنس راقص مكتمل المقوّمات.

لكن العرض لا يتوقف عند هذا المستوى الظاهري، بل انّ الثنائي حفيز ضو وعائشة مبارك يُصّر -في محاولة لمزيد رسم ملامح العالم الليلي لـ"هؤلاء الناس"- على تثبيت حركة الراقصين، تثبيتها حركيا وبصريا، فيقدم "لوحة" يواصل فيها الأصدقاء الخمسة رقصهم على إيقاع الالكترو لكن هذه المرّة ببطئ شديد. تتحرك وقتها الأجساد بتمهّل كبير وكأنها معلّقة زمنيا لأنها أخلت بالإيقاع السريع للموسيقى، وهي قطعة راقصة تتطلب الكثير من التركيز والتحكم الجسماني حتى لا ينفلت الجسد من عقاله ويعود الى سرعة الرقص.
ترتسم اذا هذه الرقصات، المصاغة وفق تفاوت بين الإيقاع الموسيقي السريع والاجساد بطيئة الحركة، ترتسم أمام أعين المتفرج وكأنها منحوتات في افريز جداري ضخم بعد أن نزع عنها الثنائي حفيز ضو وعائشة مبارك طابعها الراقص، الاستهلاكي، السريع والفرجوي ليلحقها بمصاف التعبيرات الفنية التي تستحق ان نتوقف عندها كانعكاس لنمط راقص له مقوماته ومرجعياته الخاصة. فـ"هؤلاء الناس" ينتمون الى ثقافة التسعينات والالفينات الموسومة بالسرعة وبالتقدم التكنولوجي والبراغماتية والفردانية وغيرها من الميزات العصرية التي أفرزت تعبيرات فنية ذات هويّة حداثية.

كما لا يفوتنا ان نتوقف عند الجانب الموسيقي البحت للعرض والذي أمنه "الدي دجاي" هيثم عاشور لما فيه من دمج متفرد بين الالكترو والبيانو والكمنجة أواللمسة الأخيرة التي امتزج فيها الالكترو بصوت الشقاشق كتخميرة أخيرة قبل نهاية العرض. كليماكس موسيقي الكتروني بنكهة شمال افريقية عمّقت من نشوة العرض.
في "هؤلاء الناس"، اقتفى حفيز ضو وعائشة مبارك طقوس هذه المجموعة الشبابية في ولعهم بالرقص على الموسيقى الالكترو، وبكل ما في عالمهم الليلي من فردية والتقاء، من طاقة وعطاء وانتهاء. طقوس، فنظرة، فصورة فنيّة مثيرة من عالم الليل العابر.
-قُدم عرض "هؤلاء الناس" في اطار فعاليات الدورة الثانية لأيام قرطاج الكوريغرافية يوم الاثنين 17 جوان بقاعة الريو بمشاركة الراقصين ستيفاني بينيون، جوآنا ماندوني، قريقوري آليو، فابيو دولشي وفانويل ايردمان.
شيراز بن مراد